فصل: عيون الأثر في المغازي والسير

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير **


 مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله محلي محاسن السنة المحمدية بدرر أخبارها

ومجلي ميامن السيرة النبوية عن غرر آثارها

ومؤيد من اقتبس نور هدايته من مشكاة أنوارها

ومسدد من التمس عز حمايته من أزرق سنانها وأبيض بتارها

ومسهل طريق الجنة لمن اتبع مستقيم صراطها واهتدى بضياء منارها

ومذلل سبيل الهداية لمن اقتفى سرائر سيرها وسير أسرارها

أحمده على ما أولى من نعم قعد لسان الشكر عن القيام بمقدارها

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغنا من ميادين القبول غاية مضمارها وتسوغنا من مشارع الرحمة أصفى مواردها وأعذب أنهارها وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي ابتعثه وقد طمت بحار الكفر بتيارها وطغت شياطين الضلال بعنادها وإصرارها

وعتت طائفة الأوثان وعبدة الأصنام على خالقها وجبارها

فقام بأمره حتى تجلت غياهب ظلمها عن سنا أبدارها

وجاهد في الله حق جهاده حتى أسفر ليل جهلها عن صباح نهارها

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حازت نفوسهم الأبية من مراضية غاية أوطارها‏.‏

وفازت من سماع مقاله ورواية أحواله ورؤية جلاله بملء مسامعها وأفواهها وأبصارها‏.‏

وسلم تسليماً كثيراً‏.‏

وبعد فما وقفت على ما جمعه الناس قديماً وحديثاً من المجاميع في سير النبي صلى الله عليه

نبوته وتزويجه خديجة عليها السلام‏.‏

ومبدأ البعث والنبوة ونزول الوحي‏.‏

وذكر قوم من السابقين الأولين في الدخول في الإسلام‏.‏

وما كان من الهجرتين إلى أرض الحبشة‏.‏

وانشقاق القمر‏.‏

وما عرض له بمكة من الحصار بالشعب‏.‏

وأمر الصحيفة وخروجه إلى الطائف‏.‏

ورجوعه بعد ذلك إلى مكة وذكر العقبة‏.‏

وبدء إسلام الأنصار‏.‏

والإسراء والمعراج‏.‏

وفرض الصلاة‏.‏

وأخبار الهجرة إلى المدينة ودخوله عليه السلام المدينة‏.‏

ونزوله حيث نزل‏.‏

وبناء المسجد واتخاذ المنبر‏.‏

وحنين الجذع‏.‏

ومغازيه وسيره وبعوثه‏.‏وما نزل من الوحي في ذلك‏.‏

وعمره وكتبه إلى الملوك‏.‏

وإسلام الوفود وحجة الوداع‏.‏

ووفاته صلى الله عليه وسلم وغير ذلك‏.‏

ثم أتبعت ذلك بذكر أعمامه وعماته وأزواجه وأولاده وحليته وشمائله وعبيده وإمائه ومواليه وخيله وسلاحه وما يتصل بذلك مما ذكره العلماء في ذلك على سبيل الاختصار والإيجاز سالكاً في ذلك ما اقتضاه التاريخ من إيراد واقعة بعد أخرى لا ما اقتضاه الترتيب من ضم الشيء إلى شكله ومثله حاشا ذكر أزواجه وأولاده عليه السلام فإني لم أسق ذكرهم على ما اقتضاه التاريخ بل دخول ذلك كله فيما أتبعت به باب المغازي والسير من باب الحلى والشمائل ولم أستثن من ذلك إلا ذكر تزويجه عليه السلام خديجة عليها السلام لما وقع في أمرها من أعلام النبوة‏.‏

وقد أتحفت الناظر في هذا الكتاب من طرف الأشعار بما يقف الاختيار عنده‏.‏

ومن نتف الأنساب بما لا يعدو التعريف حده ومن عوالي الأسانيد بما يستعذب الناهل ورده‏.‏

ويستنجح الناقل قصده‏.‏

وأرحته من الإطالة بتكرار ما يتكرر منها وذلك أني عمدت إلى ما يتكرر النقل منه من كتب الأحاديث والسنن والمصنفات على الأبواب والمسانيد وكتب المغازي والسير وغير ذلك مما يتكرر ذكره فأذكر ما أذكره من ذلك بأسانيدهم إلى منتهى ما في مواضعه وأذكر أسانيدي إلى مصنفي تلك الكتب في مكان واحد عند انتهاء الغرض من هذا المجموع‏.‏

وأما مالا يتكرر النقل منه إلا قليلاً أو مالا يتكرر منه نقل فما حصل من الفوائد الملتقطة والأجزاء المتفرقة فإني أذكر تلك الأسانيد عند ذكر ما أورده بها ليحصل بذلك الغرض من الاختصار وذكر الأسانيد مع عدم التكرار‏.‏

فأما الأنساب فمن ذكرته استوعبت نسبه إلى أن يصل إلى فخذه أو بطنه المشهور أو أبعد من ذلك من شعبه أو قبيلته بحسب ما يقتضيه الحال إن وجدته فإن تكرر ذكره لم أرفع في نسبه واكتفيت بما سلف من ذلك غير أني أنبه على المكان الذي سبق فيه نسبه مرفوعاً بعلامة أرسمها بالحمرة فمن ذكر في السابقين الأولين أعلمت له ‏"‏ 3 ‏"‏ وللمهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة ‏"‏ ها ‏"‏ وللثانية ‏"‏ هب ‏"‏ والمهاجرة المدينة ‏"‏ ه ‏"‏ ولأهل العقبة الأولى ‏"‏ عا ‏"‏ والثانية ‏"‏ عب ‏"‏ وللمذكورين في النقباء ‏"‏ ق ‏"‏ ولأهل العقبة الثالثة ‏"‏ عج ‏"‏ وللبدريين ‏"‏ ب ‏"‏ ولأهل أحد ‏"‏ ا ‏"‏‏.‏

وعمدتنا فيما نورده من ذلك على محمد بن اسحق إذ هو العمدة في هذا الباب لنا ولغيرنا غير إني قد أجد الخبر عنده مرسلاً وهو عند غيره مسنداً فأذكره من حيث هو مسند ترجيحاً لمحل الإسناد‏.‏

وإن كانت في مرسل ابن اسحق زيادة أتبعته بها ولم أتتبع إسناد مراسليه وإنما كتبت ذلك بحسب ما وقع لي وكثيراً ما أنقل عن الواقدي من طريق محمد بن سعد وغيره أخباراً ولعل كثيراً منها لا يوجد عنده غيره فإلى محمد بن عمر انتهى علم ذلك أيضاً في زمانه وإن كان قد وقع لأهل العلم كلام في محمد بن اسحق وكلام في محمد بن عمر الواقدي أشد منه فسنذكر نبذة مما انتهى إلي من الكلام فيهما جرحاً وتعديلاً فإذا انتهى ما أنقله من ذلك أخذت في الأجوبة عن الجرح فصلاً فصلاً بحسب ما يقتضيه النظر ويؤدي إليه الاجتهاد والله الموفق‏:‏ فأما ابن اسحق فهو محمد بن اسحق بن يسار بن خيار ويقال ابن يسار بن كوثان المديني مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف أوب بكر وقيل أبو عبد الله رأى أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وسمع القاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق وأبان بن عثمان بن عفان ومحمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج ونافعاً مولى ابن عمر والزهري وغيرهم وحدث عنه أئمة العلماء منهم يحيى بن سعيد الأنصاري وسفيان الثوري وابن جريج وشعبة والحمادان وإبراهيم بن سعد وشريك ابن عبد الله النخعي وسفيان بن عيينة ومن بعدهم‏.‏

ذكر ابن المديني عن سفيان ابن عيينة أنه سمع ابن شهاب يقول لا يزال بالمدينة علم ما بقى هذا يعني ابن اسحق وروى ابن أبي دئب عن الزهري أنه رآه مقبلاً فقال لا يزال بالحجاز علم كثير ما بقي هذا الأحول بين أظهرهم وقال ابن علية‏:‏ سمعت شعبة يقول محمد ابن اسحق صدوق في الحديث ومن رواية يونس بن بكير عن شعبة‏:‏ محمد بن اسحق أمير المحدثين وقيل له لما قال لحفظه وقال ابن أبي خيثمة حدثنا ابن منذر عن ابن عيينة أنه قال ما يقول أصحابك في محمد بن اسحق قال قلت يقولون أنه كذاب قال لا تقل ذلك قال ابن المديني سمعت سفيان بن عيينة سئل عن محمد بن اسحق فقيل له ولم يرو أهل المدينة عنه قال جالسته منذ بضع وسبعين سنة وما يتهمه أحد من أهل المدينة ولا يقولون فيه شيئاً وسئل أبو زرعة عنه فقال من تكلم في محمد بن اسحق هو صدوق‏.‏

وقال أبو حاتم يكتب حديثه وقال ابن المديني مدار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على ستة فذكرهم ثم قال وصار علم الستة عند اثني عشر أحدهم ابن اسحق‏.‏

وسئل ابن شهاب عن المغازي فقال هذا أعلم الناس بها يعني ابن اسحق‏.‏

وقال الشافعي من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن اسحق وقال أحمد بن زهير سألت يحيى بن معين عنه فقال قال عاصم بن عمر ابن قتادة لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن اسحق وقال ابن أبي خيثمة حدثنا هرون بن معروف قال سمعت أبا معوية يقول كان ابن اسحق من أحفظ الناس فكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر جاء فاستودعها محمد بن اسحق فقال احفظها علي فإن نسيتها كنت قد حفظتها علي‏.‏

وروى الخطيب بإسناد له إلى ابن نفيل ثنا عبد الله بن فائد قال كنا إذا جلسنا إلى محمد بن اسحق فأخذ في فن من العلم قضى مجلسه في ذلك الفن‏.‏

وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمر والنصري محمد بن اسحق قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه منهم سفيان وشعبة وابن عيينة والحمادان وابن المبارك وإبراهيم بن سعد وروى عنه من الأكابر يزيد بن أبي حبيب‏.‏

وقد اختبره أهل الحديث فرأوا صدقاً وخيراً مع مدحة ابن شهاب له‏.‏

وقد ذكرت دحيماً قول ملك يعني فيه فرأى أن ذلك ليس للحديث إنما هو لأنه اتهمه بالقدر وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الناس يشتهون حديثه وكان يرمى بغير نوع من البدع‏.‏

وقال ابن نمير وكان يرمى بالقدر وكان أبعد الناس منه وقال البخاري ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها أحد وقال علي بن المديني عن سفيان ما رأيت أحداً يتهم محمد بن اسحق وقال أبو سعيد الجعفي كان ابن إدريس معجباً بابن اسحق كثير الذكر له ينسبه إلى العلم والمعرفة والحفظ وقال إبراهيم الحربي حدثني مصعب قال كانوا يطعنون عليه بشيء من غير جنس الحديث وقال يزيد بن هارون ولو سود أحد في الحديث لسود محمد بن اسحق‏.‏

وقال شعبة فيه أمير المؤمنين في الحديث‏.‏

وروى يحيى بن آدم ثنا أبو شهاب قال قال لي شعبة بن الحجاج عليك بالحجاج بن أرطاة وبمحمد بن اسحق‏.‏

وقال ابن علية قال شعبة أما محمد بن اسحق وجابراً الجعفي فصدوقان وقال يعقوب ابن شيبية سألت ابن المديني كيف حديث محمد بن اسحق صحيح قال نعم حديثه عندي صحيح قلت له فكلام مالك فيه قال لم يجالسه ولم يعرفه ثم قال لي على ابن اسحق أي شيء حدث بالمدينة قلت له فهشام بن عروة قد تكلم فيه قال على الذي قال هشام ليس بحجة فلعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها وسمعت علياً يقول إن حديث محمد بن اسحق ليتبين فيه الصدق يروي مرة حدثني أبو الزناد ومرة ذكر أبو الزناد وروى عن رجل عن من سمع منه يقول حدثني سفيان بن سعيد عن سالم أبي النضر عن عمر ‏"‏ صوم يوم عرفة ‏"‏ وهو من أروى الناس عن أبي النضر ويقول حدثني الحسن بن دينار عن أيوب عن عمر بن شعيب في ‏"‏ سلف وبيع ‏"‏ وهو من أروى الناس عن عمر بن شعيب وقال علي لم أجد لابن اسحق إلا حديثين منكرين نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا نعس أحدكم يوم الجمعة ‏"‏ والزهري عن عروة عن زيد بن خالد ‏"‏ إذا مس أحدكم فرجه ‏"‏ هذين لم يروهما عن أحد والباقون يقول ذكر فلان ولكن هذا في ثنا وقال مرة وقع إلي من حديثه شيء فما أنكرت منه إلا أربعة أحاديث ظننت أن بعضه منه وبعضه ليس منه وقال البخاري رأيت علي بن المديني يحتج بحديثه وقال لي نظرت في كتابه فما وجدت عليه إلا حديثين ويمكن أن يكونا صحيحين وقال العجلي ثقة وروى المفضل بن غسان عن يحيى بن معين ثبت في الحديث وقال يعقوب بن شيبة سألت يحيى بن معين عنه في نفسك شيء من صدقه قال لا هو صدوق‏.‏

وروى ابن أبي خيثمة عن يحيى ليس به بأس وقال ابن المديني قلت لسفيان كان ابن اسحق جالس فاطمة بنت المنذر فقال أخبرني أنها حدثته وأنه دخل عليها فاطمة هذه هي زوج هشام بن عروة وكان هشام ينكر على ابن اسحق روايته عنها ويقول لقد دخلت بها وهي بنت تسع سنين وما رآها مخلوق حتى لحقت بالله وقال الأثرم سألت أحمد بن حنبل عنه فقال هو حسن الحديث‏.‏

محمد بن اسحق والطعن عليه

روينا عن يعقوب بن شيبة قال سمعت محمد بن عبد الله بن نمير وذكر ابن اسحق فقال إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق وإنما أتى من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة وقال أبو موسى محمد بن المثنى ما سمعت يحيى القطان يحدث عن ابن إسحاق شيئاً قط وقال الميمونى ثنا أبو عبد الله أحمد بن حنبل بحديث استحسنه عن محمد بن اسحق وقلت له يا أبا عبد الله ما أحسن هذه القصص التي يجيء بها ابن اسحق فتبسم إلي متعجباً وروى ابن معين عن يحيى بن القطان أنه كان لا يرضى محمد بن اسحق ولا يحدث عنه وقال عبد الله بن أحمد وسأله رجل عن محمد بن اسحق فقال كان أبي يتتبع حديثه ويكتبه كثيراً بالعلو والنزول ويخرجه في المسند وما رأيته اتقى حديثه قط قيل له يحتج به قال لم يكن يحتج به في السنن وقيل لأحمد يا أبا عبد الله‏:‏ إذا تفرد بحديث تقبله قال لا والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا وقال ابن المديني مرة هو صالح وسط وروى الميموني عن ابن معين ضعيف‏.‏

وروى عنه غيره ليس كذلك وروى الدوري عنه ثقة ولكنه ليس بحجة وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو قلت ليحيى بن معين وذكرت له الحجة فقلت محمد بن اسحق منهم فقال كان ثقة إنما الحجة عبيد الله ابن عمر وملك بن أنس وذكر قوماً آخرين وقال أحمد بن زهير سئل يحيى عنه مرة فقال ليس بذاك ضعيف قال وسمعته مرة أخرى يقول هو عندي سقيم ليس بالقوي وقال النسائي ليس بالقوي وقال البرقاني سألت الدارقطني عن محمد بن اسحق بن يسار عن أبيه فقال جميعاً لا يحتج بهما وإنما يعتبر بهما وقال علي قلت ليحيى بن سعيد كان ابن اسحق بالكوفة وأنت بها قال نعم قلت تركته متعمداً قال نعم ولم أكتب عنه حديثاً قط وروى أبو داود عن حماد بن سلمة قال لولا الاضطرار ما حدثت عن محمد بن اسحق وقال أحمد قال ملك وذكره فقال دجال من الدجاجلة وروى الهيثم ابن خلف الدوري ثنا أحمد بن إبراهيم ثنا أبو داود صاحب الطيالسة قال حدثني من سمع هشام بن عروة وقيل له إن ابن اسحق يحدث بكذا وكذا عن فاطمة فقال كذب الخبيث وروى القطان عن هشام أنه ذكره فقال العدو الله الكذاب يروي عن امرأتي من أين رآها وقال عبد الله بن أحمد فحدثت أبي بذلك فقال وما ينكر لعله جاء فاستأذن عليها فأذنت له أحسبه قال ولم يعلم وقال مالك كذاب وقال ابن إدريس قلت لمالك وذكر المغازي فقلت له قال ابن اسحق أنا بيطارها فقال نحن نفيناه عن المدينة وقال مكي بن إبراهيم جلست إلى محمد بن اسحق وكان يخضب بالسواد فذكر أحاديث في الصفة فنفرت منها فلم أعد إليه وقال مرة تركت حديثه وقد سمعت منه بالري عشرين مجلساً‏.‏

وروى الساجي عن المفضل بن غسان حضرت يزيد بن هرون وهو يحدث بالبقيع وعنده ناس من أهل المدينة يسمعون منه حتى حدثهم عن محمد بن اسحق فأمسكوا وقالوا لا تحدثنا عنه نحن أعلم به فذهب يزيد يحاولهم فلم يقبلوا فأمسك يزيد وقال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل ذكره فقال كان رجلاً يشتهي الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه وسئل أبو عبد الله أيما أحب إليك موسى بن عبيدة الربذي أو محمد بن اسحق قال لا محمد بن اسحق وقال أحمد كان يدلس إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد إذا كان سماعاً قال حدثني وإذا لم يكن قال قال وقال أبو عبد الله قدم محمد بن اسحق إلى بغداد فكان لا يبالي عمن يحكي عن الكلبي وغيره وقال ليس بحجة وقال الفلاس كنا عند وهب بن جرير فانصرفنا من عنده فمررنا بيحيى القطان فقال أين كنتم فقلنا كنا عند وهب بن جرير يعني تقرأ عليه كتاب المغازي عن أبيه عن ابن اسحق فقال تنصرفون من عنده بكذب كثير وقال عباس الدوري سمعت أحمد بن حنبل وذكر محمد بن اسحق فقال أما في المغازي وأشباهه فيكتب وأما في الحلال والحرام فيحتاج إلى مثل هذا ومد يده وضم أصابعه وروى الأثرم عن أحمد كثير التدليس جداً أحسن حديثه عندي ما قال أخبرني وسمعت وعن ابن معين ما أحب أن أحتج به في الفرائض‏.‏

وقال ابن أبي حاتم ليس بالقوي ضعيف الحديث وهو أحب إلي من أفلح ابن سعيد يكتب حديثه يكتب حديثه وقال سليمان التيمي كذاب وقال يحيى القطان ما تركت حديثه إلا لله أشهد أنه كذاب وقد قال يحيى بن سعيد قال لي وهيب بن خالد أنه كذاب قلت لوهيب ما يدريك قال قال لي مالك أشهد أنه كذاب قلت مالك ما يدريك قال قال لي هشام بن عروة أشهد أنه كذاب قلت لهشام ما يدريك قال حدث عن امرأتي فاطمة الحديث‏.‏

قلت والكلام فيه كثير جداً وقد قال أبو بكر الخطيب قد احتج بروايته في الأحكام قوم من أهل العلم وصدف عنها آخرون وقال في موضع آخر قد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن اسحق غير واحد من العلماء لأسباب منها أنه كان يتشيع وينسب إلى القدر ويدلس وأما الصدق فليس بمدفوع عنه انتهى كلام الخطيب‏.‏

وقد استشهد به البخاري‏.‏

وأخرج له مسلم متابعة واختار أبو الحسن بن القطان أن يكون حديثه من باب الحسن لاختلاف الناس فيه‏.‏

وأما روايته عن فاطمة فروينا عن أبي بكر الخطيب قال أنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بدمشق ثنا أحمد بن خالد الوهبي ثنا محمد بن اسحق عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت امرأة وهي تسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن لي ضرة وأني أتشبع من زوجي بما لم يعطنيه لتغيظها بذلك قال ‏"‏ المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور ‏"‏ وقال أبو الحسن بن القطان الحديث الذي من أجله وقع الكلام في ابن اسحق من روايته عن فاطمة حتى قال هشام إنه كذاب وتبعه في ذلك مالك وتبعه يحيى بن سعيد وتابعوا بعدهم تقليداً لهم حديث ‏"‏ فلتقرصه ولتنضح ما لم ترو ولتصل فيه ‏"‏ وقد روينا من حديثه عنها غير ذلك‏.‏

ذكر الأجوبة عما رمي به قلت أما ما رمي به من التدليس والقدر والتشيع فلا يوجد رد روايته ولا يوقع فيها كبير وهن أما التدليس فمنه القادح في العدالة وغيره لا يحمل ما وقع هاهنا من مطلق التدليس على التدليس المقيد بالقادح في العدالة وكذلك القدر والتشيع لا يقتضي الرد إلا بضميمة أخرى ولم نجدها هاهنا‏.‏

وأما قول مكي بن إبراهيم أنه ترك حديثه ولم يعد إليه فقد علل ذلك بأنه سمعه يحدث أحاديث في الصفات فنفر منه وليس في ذلك كبير أمر فقد ترخص قوم من السلف في رواية المشكل من ذلك وما يحتاج إلى تأويله لا سيما إذا تضمن حكماً أو أمراً آخر وقد تكون‏.‏

هذه الأحاديث من هذا القبيل‏.‏

وأما الخبر عن يزيد بن هرون أنه حدث أهل المدينة عن قوم فلما حدثهم عنه أمسكوا فليس فيه ذكر لمقتضى الإمساك وإذا لم يذكر ولم يبق إلا أن يحول الظن فيه وليس لنا أن نعارض عدالة مقبوله بما قد تظنه جرحاً وأما ترك يحيى القطان حديثه فقد ذكرنا السبب في ذلك وتكذيبه إياه رواية عن وهيب بن خالد عن مالك عن هشام فهو ومن فوقه في هذا الإسناد تبع لهشام وليس ببعيد من أن يكون ذلك هو المنفر لأهل المدينة عنه في الخبر السابق عن يزيد بن هارون وقد تقدم الجواب عن قول هشام فيه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني بما فيه مغني‏.‏

وأما قول ابن نمير أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة فلو لم ينقل توثيقه وتعديله لتردد الأمر في التهمة بها بينه وبين من نقلها عنه وأما مع التوثيق والتعديل فالحمل فيها على المجهولين المشار إليهم لا عليه وأما الطعن على العالم بروايته عن المجهولين فغريب قد حكى ذلك عن سفيان الثوري وغيره وأكثر ما فيه التفرقة بين بعض حديثه وبعض فيرد ما رواه عن المجهولين ويقبل ما حمله عن المعروفين‏.‏

وقد روينا عن أبي عيسى الترمذي قال سمعت محمد بن بشار يقول سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ألا تعجبون من سفيان بن عيينة لقد تركت لجابر الجعفي لما حكى عنه أكثر من ألف حديث ثم هو يحدث عنه قال الترمذي وقد حدث شعبة عن جابر الجعفي وإبراهيم الهجري ومحمد بن عبيد الله العرزمي وغير واحد ممن يضعف في الحديث‏.‏

وأما قول أحمد يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا وقد تتحد ألفاظ الجماعة وإن تعددت أشخاصهم وعلى تقدير أن لا يتحد اللفظ فقد يتحد المعنى روينا عن واثلة ابن الأسقع قال إذا حدثتكم على المعنى فحسبكم‏.‏

وروينا عن محمد بن سيرين قال كنت أسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف والمعنى واحد وقد تقدم من كلام ابن المديني أن حديثه ليتبين فيه الصدق يروي مرة حدثني أبو الزناد ومرة ذكر أبو الزناد الفصل إلى آخره ما يصلح لمعارضة هذا الكلام واختصاص ابن المديني سفيان معلوم كما علم اختصاص سفيان بمحمد بن اسحاق‏.‏

وأما قوله كان يشتهي الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه فلا يتم الجرح بذلك حتى ينفي أن تكون مسموعة له ويثبت أن يكون حدث بها ثم ينظر بعد ذلك في كيفية الإخبار فإن كان بألفاظ لا تقتضي السماع تصريحاً فحكمه حكم المدلسين ولا يحسن الكلام معه إلا بعد النظر في مدلول تلك الألفاظ وإن كان يروى ذلك عنهم مصرحاً بالسماع ولم يسمع فهذا كذب صراح واختلاق محض لا يحسن الحمل عليه إلا إذا لم يجد للكلام مخرجاً غيره‏.‏

وأما قوله لا يبالي عمن يحكي عن الكلبي وغيره فهو أيضاً إشارة إلى الطعن بالرواية عن الضعفاء لمحل ابن الكلبي من التضعيف والراوي عن الضعفاء لا يخلو حاله من أحد أمرين إما أن يصرح باسم الضعيف أو يدلسه فإن صرح به فليس فيه كبير أمر روى عن شخص ولم يعلم حاله أو علم وصرح به ليبرأ من العهدة‏.‏

وإن دلسه فإما أن يكون عالماً بضعفه أولاً فإن لم يعلم فالأمر في ذلك قريب وإن علم به وقصد بتدليس الضعيف وتغييره وإخفائه ترويج الخبر حتى يظن أنه من أخبار أهل الصدق وليس كذلك فهذه جرحة من فاعلها وكبيرة من مرتكبها وليس في أخبار أحمد عن ابن اسحق ما يقتضي روايته عن الضعيف وتدليسه إياه مع العلم بضعفه حتى ينبني على ذلك قدح أصلاً‏.‏

وجواب ثان محمد بن اسحق مشهور بسعة العلم وكثرة الحفظ فقد يميز من حديث الكلبي وغيره مما يجري مجراه ما يقبل مما يرد فيكتب ما يرضاه ويترك مالا يرضاه وقد قال يعلى بن عبيد قال لنا سفيان الثوري اتقوا الكلبي فقيل له فإنك تروي عنه فقال أنا أعرف صدقه من كذبه ثم غالب ما يروى عن الكلبي أنساب وأخبار من أحوال الناس وأيام العرب وسيرهم وما يجري مجرى ذلك مما سمح كثير من الناس في حمله عمن لا تحمل عنه الأحكام وممن حكي عنه الترخص في ذلك الإمام أحمد وممن حكي عنه التسوية في ذلك بين الأحكام وغيرها يحيى بن معين وفي ذلك بحث ليس هذا موضعه‏.‏

وأما قول عبد الله عن أبيه لم يكن يحتج به في السنن فقد يكون لما أنس منه التسامح في غير السنن التي هي جل علمه من المغازي والسير طرد الباب فيه وقاس مروياته من السنن على غيرها وطرد الباب في ذلك يعارضه تعديل من عدله وأما قول يحيى ثقة وليس بحجة فيكفينا التوثيق ولو لم يكن يقبل الأمثل العمري ومالك لقل المقبولون‏.‏

وأما ما نقلناه عن يحيى بن سعيد من طريق ابن المديني ووهب بن جرير فلا يبعد أن يكون قلد مالكاً لأنه روى عنه قول هشام فيه وأما قول يحيى ما أحب أن أحتج به في الفرائض فقد سبق الجواب عنده فيما نقلناه عن الإمام أحمد رحمهم الله على أن المعروف عن يحيى في هذه المسألة التسوية بين المرويات من أحكام وغيرها والقبول مطلقاً أو عدمه من غير تفصيل‏.‏

وأما ما عدا ذلك من الطعن فأمور غير مفسرة ومعارضة في الأكثر من قائلها بما يقتضي التعديل وممن يصحح حديثه ويحتج به في الأحكام أبو عيسى الترمذي رحمه الله وأبو حاتم بن حبان ولم نتكلف الرد عن طعن الطاعنين فيه إلا لما عارضه من تعديل العلماء له وثنائهم عليه ولولا ذلك لكان اليسير من هذا الجرح كافياً في رده أخباره إذ اليسير من الجرح المفسر منه وغير المفسر كاف في رد من جهلت حاله قبله ولم يعدله معدل وقد ذكره أبو حاتم ابن حبان في كتاب الثقات له فأعرب عما في الضمير فقال تكلم فيه رجلان هشام ومالك فأما هشام فأنكر سماعه من فاطمة والذي قاله ليس مما يجرح به الإنسان في الحديث وذلك أن التابعين كالأسود وعلقمة سمعوا عن عائشة من غير أن ينظروا إليها بل سمعوا صوتها وكذلك ابن اسحق كان يسمع من فاطمة والستر بينهما مسبل قال وأما مالك فإنه كان ذلك منه مرة واحدة ثم عاد له إلى ما يحب وذلك أنه لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس وأيامهم من ابن اسحق وكان يزعم أن مالك من موالي ذي أصبح وكان مالك يزعم أنه من أنفسها فوقع بينهما لذلك مفاوضة فلما صنف مالك الموطأ قال ابن اسحق ائتوني به فأنا بيطاره فنقل ذلك إلى مالك فقال هذا دجال من الدجاجلة يروي عن اليهود وكان بينهما ما يكون بين الناس حتى عزم محمد على الخروج إلى العراق فتصالحا حينئذ وأعطاه عند الوداع خمسين ديناراً ونصف ثمرته تلك السنة‏.‏

ولم يكن يقدح منه مالك من أجل الحديث إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي صلى الله عليه وسلم من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وقريظة والنضير وما أشبه ذلك من الغرائب عن أسلافهم‏.‏

وكان ابن اسحق يتتبع ذلك عنهم ليعلم ذلك من غير أن يحتج بهم وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن صدوق‏.‏

قلت ليس ابن اسحق أبا عذرة هذا القول في نسب مالك فقد حكى شيء من ذلك عن الزهري وغيره والرجل أعلم بنسبه وتأبى له عدالته وإمامته أن يخالف قوله علمه وأما قول ابن اسحق أنا جهبذها فقد أتى أمراً إمرا وارتقى وعرا ولم يدر ما هنالك من زعم أنه في الإتقان كمالك وقد ألقته آماله في المهالك من أنفه في الثرى وهو يطاول النجوم الشوابك‏.‏